الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

17

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقد وصف المسجد الحرام بمثل هذا في قوله تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ [ آل عمران : 96 ] . ووجه الاقتصار على وصف المسجد الأقصى في هذه الآية بذكر هذا التبريك أن شهرة المسجد الحرام بالبركة وبكونه مقام إبراهيم معلومة للعرب ؛ وأما المسجد الأقصى فقد تناسى الناس ذلك كله ، فالعرب لا علم لهم به والنصارى عفوا أثره من كراهيتهم لليهود ، واليهود قد ابتعدوا عنه وأيسوا من عوده إليهم ، فاحتيج إلى الإعلام ببركته . و « حول » يدل على مكان قريب من مكان اسم ما أضيف ( حول ) إليه . وكون البركة حوله كناية عن حصول البركة فيه بالأولى ، لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه ؛ ففيه لطيفة التلازم ، ولطيفة فحوى الخطاب ، ولطيفة المبالغة بالتكثير . وقريب منه قول زياد الأعجم : إنّ السماحة والمروءة والندى * في قبة ضربت على ابن الحشرج ولكلمة حَوْلَهُ في هذه الآية من حسن الموقع ما ليس لكلمة ( في ) في بيت زياد ، ذلك أن ظرفية ( في ) أعم . فقوله : ( في قبة ) كناية عن كونها في ساكن القبة لكن لا تفيد انتشارها وتجاوزها منه إلى ما حوله . وأسباب بركة المسجد الأقصى كثيرة كما أشارت إليه كلمة حَوْلَهُ . منها أن واضعه إبراهيم - عليه السلام - ، ومنها ما لحقه من البركة بمن صلى به من الأنبياء من داود وسليمان ومن بعدهما من أنبياء بني إسرائيل ، ثم بحلول الرسول عيسى - عليه السلام - وإعلانه الدعوة إلى اللّه فيه وفيما حوله ، ومنها بركة من دفن حوله من الأنبياء ، فقد ثبت أن قبري داود وسليمان حول المسجد الأقصى . وأعظم تلك البركات حلول النبي صلى اللّه عليه وسلّم فيه ذلك الحلول الخارق للعادة ، وصلاته فيه بالأنبياء كلهم . وقوله : لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا تعليل الإسراء بإرادة إراءة الآيات الربانية ، تعليل ببعض الحكم التي لأجلها منح اللّه نبيئه منحة الإسراء ، فإن للإسراء حكما جمة تتضح من حديث الإسراء المروي في « الصحيح » . وأهمها وأجمعها إراءته من آيات اللّه تعالى ودلائل قدرته ورحمته ، أي لنريه من الآيات فيخبرهم بما سألوه عن وصف المسجد الأقصى . ولام التعليل لا تفيد حصر الغرض من متعلقها في مدخولها . وإنما اقتصر في التعليل على إراءة الآيات لأن تلك العلة أعلق بتكريم المسرى به